أزمة كورونا… فرصة للتغيير أم استمرارية للسلطوية – اليوم 24
مقهى ثقافي يستضيف متعافين من كورونا
  • مقهى ثقافي يستضيف متعافين من كورونا

    أزمة كورونا… فرصة للتغيير أم استمرارية للسلطوية

  • متعافين من كورونا

    مغرب ما بعد كورونا…سيناريوهان لكن كفة التوجس تغلب!

  • العلام

    عبدالرحيم العلام: لا أحد يحبذ أن نعيش في دولة ضعيفة -حوار

مجتمع

أزمة كورونا… فرصة للتغيير أم استمرارية للسلطوية

يبدو أن أزمة كورونا قد تعزز أكثر من حالة اللايقين في العالم، ما يفتح الباب أمام السلطويات لكي تتقوى أكثر، مرشدها في ذلك النموذج الصيني، باعتباره النموذج الملائم أكثر من غيره في التعامل مع أزمات كورونا، مقارنة بأسلوب تعامل الدول الديمقراطية أساسا، خصوصا وأن أزمة كورونا دفعت العديد من الدول النامية أو المتقدمة، بما فيها المغرب، إلى إعادة النظر في فهمها للديمقراطية وحقوق الإنسان، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن كورونا سيكون له تأثير جوهري على الممارسة السياسية في الأمد القريب والمتوسط.

خيار تعزيز السلطوية في المغرب، على سبيل المثال، تؤكده عدة مؤشرات تتمثل؛ من جهة أولى، في النقاش الجاري حول الانتخابات المقبلة، والذي يرمي إلى التحكم القبلي في نتائجها، من خلال ابتداع فكرة القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية وليس على أساس الأصوات الصحيحة المعبّر عنها، كما جرى العمل به منذ انتخابات 2002، ومن جهة ثانية، تضخم دور وزارة الداخلية والمؤسسات الأخرى غير المنتخبة، التي تسوّق منذ بداية الجائحة لخطاب التنمية والكفاءة والفعالية، في الوقت الذي يجري التنقيص من دور السياسة والانتخابات النزيهة، وهو توجه يعكس تنامي خطاب إيديولوجي جديد يتغطى بمدح التنمية وذم السياسة.

الأدهى من ذلك، هو التوجه نحو إعادة النظر في منظومة حقوق الإنسان، بإحداث نوع من التفاضل بين الحقوق، من خلال التركيز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتهميش الحقوق السياسية والمدنية، وهي المقاربة التي تركز مثلا على الحق في الحياة الكريمة، وتعتبر أن الحق في التنظيم والمشاركة والمساءلة حقوق يمكن تأجيلها، أو ليست ذات أولوية في الوقت الراهن؛ أي وقت الأزمات التي تفجرت في زمن فيروس كورونا.

حرب باردة جديدة

بالعودة إلى الوراء، يمكن القول بأن كل أزمة مر بها العالم إلا وكان لها تأثير معين على النظام الدولي، بمؤسساته وقواعده، لقد أفرزت الحرب العالمية الثانية نظاما دوليا معينا قائما على الصراع بين منظومتين، رأسمالية واشتراكية، أفرزت حربا باردة ومواجهة طويلة تزيد على أربعة عقود، وفي الزمن الراهن يلاحظ أن أحداث 11 شتنبر 2001 مثلا، كان لها تأثير على النظام الدولي، حيث تصدر الإرهاب الأجندة الأمنية العالمية، وشغلت الجماعات المسلحة التي تُوصف بالإرهابية حيزا واسعا في الجدل السياسي والقانوني والمؤسساتي طيلة العقدين الماضيين.

يصعب التكهن بالتأثيرات المحتملة لأزمة كورونا على وجه التحديد، لأنها أزمة مستمرة في الزمن حتى الآن، لذلك من الأفضل، كما يقول فولكر بيرتس، مدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، تجنب استخدام العبارة الشائعة التي تقول “لن يكون أي شيء كما كان مرة أخرى”، لأن لا أحد يعلم ذلك حتى الآن، ويفضل بيرتس مناقشة التغيرات التي يمكن أن تحدث في السياسة الدولية خلال وبعد جائحة كورونا، مع حذر منهجي واضح، يقدم الإجابات المتوفرة حاليا على أساس أنها افتراضات فقط.

من المرجح أن تؤدي أزمة كورونا إلى حرب باردة جديدة، بسبب تنامي الصراع بين الصين وأمريكا، كأن تعمل أمريكا على حصار الصين اقتصاديا وتجاريا وعسكريا، من خلال إلغاء بعض قواعد العولمة، وتكريس سياسة حمائية جديدة، وربما سعت الصين، بالمقابل، إلى ابتداع أشكال جديدة من العولمة نفسها، كرد فعل منها على أمريكا، وإذا كانت الصين تبدو حذرة حتى الآن، ولا تعبر عن الرغبة في ملء الفراغ الأمريكي في أي منطقة من العالم، إلا أن التوقعات تشير إلى أن هذا الدور قادم، لكن بشكل مختلف.

لا تعني الحرب الباردة الجديدة بين الصين وأمريكا، أن العالم سيتجه نحو ثنائية قطبية جديدة، كالتي كانت بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا، بل يرجح أن تتعزز التعددية القطبية مرة أخرى، بسبب طموحات دول كبرى، مثل روسيا والهند والاتحاد الأوروبي، وكذا طموحات قوى إقليمية مثل تركيا وإيران، تعزز من الاقتناع بأن العالم يتجه نحو تعددية قطبية، لن يظل فيها الغرب، وخصوصا أمريكا، هو المركز. ويرجح كذلك أن تؤدي التعددية القطبية الجديدة إلى ابتداع أشكال جديدة من الصراع والتعاون في الوقت عينه.

يمكن أن نلاحظ ذلك في سلوكات الدول إزاء أزمة كورونا، إذ بالرغم من دعوة الخبراء والمنظمات الصحية قادة الدول إلى التعاون في التصدي للوباء، إلا أن الأخيرة تصرفت بشكل منفرد في الغالب الأعم. ورغم أهمية منظمة الصحة العالمية، التي لا يمكن الجدال فيها، خصوصا في مجال تبادل المعلومات وتنسيق البحث عن اللقاحات، حيث أظهرت كورونا أن ضعف الأنظمة الصحية في الدول النامية تشكل تهديدا للأمن والسلم العالميين ككل، فإن بعض الدول تجاهلت منظمة الصحة العالمية، كما فعلت ذلك الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب. لكل ذلك، يرجّح بيرتس أن “يسير الصراع والتعاون المفتوح بين القوى العظمى، وبين أمريكا والصين على وجه الخصوص، جنبا إلى جنب، بدلا من أن يكون أنماطا منفصلة تماما للسياسة الدولية”.

من المستبعد، كذلك، أن تكون أزمة كورونا قادرة على الحدّ من الأزمات الإقليمية، في المنطقة العربية مثلا، ويرجّح أن يعمّق الوباء من مآسي الشعوب التي تتخبط في صراعات عنيفة، مثل ليبيا وسوريا واليمن. لقد دعت الأمم المتحدة ودول عدة أطراف الصراع في مناطق الحرب الأهلية إلى تجميد المواجهات المسلحة، والتركيز على موجهة آثار الفيروس القاتل، لكن النداء ظل من دون مجيب في جميع الدول العربية التي تعيش احترابا واقتتالا، كما في دول أخرى خارج المنطقة.

الأدهى من ذلك، يتوقع خبراء “بروكينغز”، في ندوة خاصة حول “الاستجابات العامة لفيروس كورونا المستجد” أن تنزلق الدول الأخرى في المنطقة نحو مزيد من الفقر والبطالة وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، نتيجة “انقطاع خطوط الحياة المعتادة كافة، سواء التحويلات المالية من الخارج أو الاستثمار الأجنبي المباشر، والمساعدات الإنمائية الرسمية”، ما يجعل الدول العربية تواجه “خيارات تمويل ضئيلة، وعليها اللجوء إلى المصادر المحلّية، التي كانت تاريخيا شحيحة بسبب القدرات الضعيفة على فرض الضرائب”. لكن المفارقة التي نبّه إليها عادل عبداللطيف، نائب مدير المكتب الإقليمي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تتمثل في “أن تحسين الجباية الضريبية، والعمل على إصلاح ضريبي أشمل في هذه المرحلة، لن يؤديا إلا إلى المزيد من هروب الرساميل وتأجيج مقاومة شعبية شرسة”.

لا حاجة إلى التذكير، كذلك، بتوقعات تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي الصادر أخيرا عن صندوق النقد الدولي، الذي أنذر بانكماش اقتصادي يناهز نسبة 5,7 في المائة في العام 2020، وهو الانكماش الأكبر منذ 50 عاما، بحسب التقرير، مما يشير إلى أن المنطقة، “المحطمة أصلا بفعل الصراعات والأزمات، قد دخلت في نفق أطول وأكثر سوادا لا يمكنها الخروج منه إلا بتغيير جذري في الحكامة، بما يؤدي إلى عقد اجتماعي جديد. بهذه الطريقة، تشكّل جائحة فيروس كورونا المستجد دعوة أخرى للتغيير في العالم العربي وفرصة لاعتماد سياسات اجتماعية أكثر شمولية ولإصلاح المؤسسات على أساس المساءلة، ولبناء اقتصادات أكثر استدامة”.

لكن ما يعمّق هذه الإشكالات أن أزمة كورونا ضربت المنطقة، بينما كانت تعاني من أزمة الثقة بين المواطنين وحكوماتهم، ففي 2018 مثلا تدهور معدل الثقة بشكل كبير جراء فشل الحكومات في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى ثورات عام 2011، ليس في تونس فقط، بل في الدول التي لم تشهد ثورات كذلك. فعلى سبيل المثال، عبّر أقل من 32 في المائة من المغاربة عن ثقتهم في الحكومة حسب المؤشر العربي لسنة 2019، وتبدو النسب أدنى بكثير فيما يتعلق بالأحزاب السياسية التي عبّر 14 في المائة من المغاربة فقط، عن ثقتهم فيها، كما قال 42 في المائة إنهم يثقون في البرلمان. لم تختلف نتائج المؤشر العربي لسنة 2019/2020 في شيء عن نتائج المؤشر السابق، حيث أكدت النتائج عن ضعف ثقة المواطنين المغاربة في مؤسسات الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية.

تكشف تلك المؤشرات عن حجم الهوة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية، لأسباب عديدة، منها محدودية الحكومات المتعاقبة عن الاضطلاع بدور أفضل في التصدي للفساد، ومعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ما أسهم في تشكل أزمة ثقة سياسية، كانت قائمة وسابقة على فيروس كورونا.

لكن منذ أن انتشر الفيروس، وصار مصدر قلق كبير في المنطقة العربية، لدول وشعوبها، باتت الحكومات مرغمة على اتخاذ قرارات صعبة، للحيلولة دون انتشار الفيروس وفتكه بالناس، بالنظر إلى الوضعية المتدهورة للمنظومات الصحية، وهو خيار لجأت إليه الأنظمة كرها، أي على حساب الاقتصاد ومنطق السوق. لذلك، فقد لاقت تلك الإجراءات استحسان المواطنين خلال فترة محددة من الزمن، مافتئت أن انتزعت بسبب العجز عن تطويق الفيروس، وتدهور القدرات الشرائية، وارتفاع البطالة، وتفشي الفقر، وهي عوامل أعادت الوضع إلى سابقه، إن لم يكن بشكل أسوأ.

وحسب رأي مايكل روبنز، مدير مشروع “الباروميتر العربي”، من غير المرجح أن تدوم الآثار الإيجابية المحتملة لجائحة كورونا على الثقة في دول مثل المغرب، إن لم تتمكن حكوماتها من معالجة التحديات القائمة التي تواجهها مجتمعاتها منذ زمن. ففي لبنان مثلاً، قوّض بشكل واضح فشل الحكومة في منع الانفجار الضخم في المرفأ أي زيادة في الثقة قد نتجت عن الاستجابة الأولية لفيروس كورونا المستجدّ التي كانت أفضل من المتوقع. وفيما يؤدي الأداء الإيجابي إزاء فيروس كورونا المستجد إلى فرص جديدة على الأرجح، ينبغي على الحكومات العربية أن تستمر بتلبية توقعات المواطنين لكي تعكس بشكل دائم الانخفاض في مستوى الثقة الحاصل منذ عقود.

لكن رغم تحدي بناء الثقة، لاحظ روبنز وآخرون أن بعض الحكومات العربية تستغل جائحة كورونا لترسيخ الحكم السلطوي، بحيث تُبرز بعض الإشارات إلى أن الإدارة العامة في تلك الدول لم تعد قادرة على اتّباع قواعد الحكامة الرشيدة. ذلك أنه في فترات الأزمات، غالبا ما يتم تجاهل إجراءات الإشراف لصالح السرعة والتنسيق في العمل لمواجهة الأزمة، وربّما تكون القدرات الإدارية منهمكة في نشاطات أخرى. وهي الملاحظة التي يمكن تطبيقها على المغرب كذلك.

ترسيخ التحكم

بين من يرى أزمة كورونا فرصة جديدة للتغيير في المنطقة العربية ككل، وبين من يرى فيها فرصة لتعزيز السلطوية، يبدو المغرب متذبذبا بين التوجهين، يروج لخطاب الديمقراطية والانتخابات والتعددية، لكنه على مستوى الممارسة يبدو مقتنعا بالخطاب الإديولوجي الجديد حول التنمية.

منذ بداية أزمة كورونا تبلور نقاش حول كيفية التعامل معها، أسهم فيه سياسيون، أمثال عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وإدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، ويمكن القول إن النقاش قد عكس رأيين أو توجهين: الأول، يعتبر مرحلة أزمة كورونا وما بعدها فرصة لتعزيز دور الدولة، في ظل الديمقراطية وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر، لكن داخل هذا الرأي هناك توجهات، فالسيد عزيز أخنوش، مثلا، يؤمن بالاقتصاد الحر، لكن في مقالته التي كتبها حول الموضوع في أبريل الماضي، لا نعثر ولو مرة واحدة، على عبارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ناهيك عن أن يثير أعطاب المرحلة السابقة على أزمة كورونا، مثل الريع والاحتكار وخلط المال بالسياسة، بالمقابل عبر توجه آخر من داخل الموقف نفسه، عبّر عنه ذوو النزعة الإنسانية والحقوقية، وقد ركز أكثر على الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما أنه ينادي بتعزيز دور الدولة القوية والاجتماعية، دون أن يكون ذلك على حساب الديمقراطية.

والنقاش في المغرب هو امتداد لنقاش عالمي، يرفض أن تكون الديمقراطية ضحية لوباء كورونا، وينوه بالتدبير الديمقراطي في مواجهة الفيروس، انطلاقا من تجارب اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، في الوقت الذي يوجه نقدا لاذعا إلى التدبير السلطوي للأزمة، محمّلا مسؤولية تفشي الوباء في العالم للصين، كونها نموذجا لغياب الشفافية وتبادل الأفكار والآراء والمعلومات الحقيقية.

على خلاف ذلك، يرى التوجه الثاني أن مواجهة كورونا، والأوبئة مستقبلا، تتطلب قدرا وافرا من تركيز القرار السياسي، ووضع قوانين أكثر تشددا، تطلق يد الدولة في تدبير الأزمات المتولدة عن الأوبئة. إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن الدول التي دبّرت الأزمة بتركيز أكبر للسلطة والقرار، وبتقييد أوسع للحقوق والحريات، وتدخل مباشر في الاقتصاد، استطاعت أن وتحاصر الفيروس. ومن ثم، فإن الدرس الأساسي للمستقبل، أي لمرحلة كورونا وما بعدها، هو تحويل الاستثناء إلى قاعدة، ومغزى ذلك المضي نحو تبني نموذج سلطوي في السياسة وليبرالي في الاقتصاد، ويبدو أن مقالة عزيز أخنوش المشار إليها، تندرج في هذا الأفق تحديدا.

كلا الرأيين له اليوم نماذج تعززه، فالرأي الأول لايزال يعتبر أن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي الأفق الممكن لإنقاذ البشرية من المظالم والاستبداد والنزاعات التي كانت وبالا على البشرية عبر التاريخ، وأن الغرب الإنساني ليس سوى نموذج تقريبي لما ينبغي أن تسير نحوه الإنسانية، ويستثني هذا الرأي الوجه الآخر للغرب، أي الغرب الاستغلالي واللاإنساني. أما الرأي الثاني، فهو يرى أن الرفاهية الاجتماعية ليست مشروطة دائما بالديمقراطية، لأنها غاية يمكن إدراكها عبر طرق أخرى في الإدارة والاقتصاد قد تكون أنجع وأفضل، وتمثل دول مثل الصين هذا النموذج اليوم، الذي يغري أكثر الدول ذات النزوع السلطوي في منطقتنا والعالم.

أن ينخرط المغاربة في هذا النقاش أمر جيد، مهما كان حجم الاختلاف بين الرأيين. لماذا؟ لأن كليهما يتفق على ضرورة إنجاز تغيير في المستقبل، وفي ذلك إقرار ضمني بأن سياسات المرحلة السابقة على كورونا لم تكن كلها صائبة. وهو موقف واقعي وعقلاني، لأن العالم كله لم يكن يتوقع جائحة، مثل كورونا، قادرة على الإرباك بهذه الدرجة غير المسبوقة في التاريخ. يريد البعض أن يجعل من كورونا فرصة للتغيير، بينما يريد البعض الآخر أن يجعل منها فرصة لتعزيز السلطوية، ويبدو أن هذا الصراع هو الذي يؤطر اليوم النقاش سواء حول قضايا حقوق الإنسان، أو حول الانتخابات المقبلة لسنة 2021.

تدفع مؤسسات وطنية بالنقاش حول حقوق الإنسان نحو أبعاده التنموية مثلا، ففي مذكرة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مثلا، حول النموذج التنموي البديل، يُلاحظ أنه لجأ إلى استراتيجية ذكية في الدفاع عن طرحه، تتقاسم الانتقادات نفسها مع أكثر الجهات تشددا في نقدها لواقع الحقوق والحريات، من خلال القول بأن المغرب راكم العديد من النصوص القانونية المتقدمة، لكن هذه القوانين لا تستطيع تغيير واقع الناس، لماذا؟ لأنه جرى خلال السنوات الماضية اختزال الفعل الحقوقي في البعد القانوني المعياري، مع إهمال أهمية الأبعاد غير القانونية، خصوصا العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والعوامل الثقافية والبيئية التي تجعل ثمار التنمية، مثلا، لا تعود بالنفع على جميع المواطنين على قدم المساواة والعدالة. وهي دعوة من المجلس إلى إعادة النظر في حقوق الإنسان نفسها، من خلال التركيز على البعد الاقتصادي والاجتماعي، أي البعد التنموي للحقوق. وفي هذا الصدد يؤكد المجلس على مقاربة أطلق عليها “مقاربة حقوقية وطنية للتنمية”، تُصَرَّف على مستويين؛ مستوى الاختيارات الاستراتيجية التي وجب أن تكون قيم الحرية والمساواة والعدالة والتضامن من ثوابتها؛ ومستوى السياسات العمومية القائمة على قيم المشاركة والمحاسبة التمكين والشرعية وعدم التمييز، على أن تكون ذات طابع إجرائي ملموس، وذات أثر قابل للقياس.

من وجهة نظر المجلس الوطني، فإن جائحة كورونا تدعو إلى التوجه نحو تبني هذه المقاربة التنموية المبنية على حقوق الإنسان، لأنها جائحة أعادت تأكيد محورية الإنسان في أية عملية تنموية، وكشفت أن كل إنجاز اقتصادي يبقى قاصرا ما لم يحرر الناس من الفقر والخوف، كما أبانت عن تفاوتات عميقة فئوية ومجالية، وقفت عائقا حقيقيا أمام جهود الدولة في مواجهة الجائحة، لذلك، يلح المجلس على الاستمرار في إصلاح الدولة بنفس استراتيجي، حيث تكون حامية وراعية للحقوق، ومنها الحق في التنمية. بيد أن الإشكال، مرة أخرى، ليس في التصورات المكتوبة التي باتت تبرع فيها مؤسسات دستورية مثل المجلس، أو في القوانين نفسها التي تعكس بدورها تصورات، بعضها جيد دون خلاف، لكنها لا تغيّر من واقع الناس الكثير. بل يكمن في حالة اللاتوازن في دور الفاعلين في ما يخص الممارسة، بل وفي انصياع الفاعل السياسي والحقوقي للحالة المذكورة، باستثناء بعض المقاومات هنا أو هناك.

إن المجلس وغيره يقفز عن حقيقة أن القوانين تعكس، في النهاية، موازين القوى القائمة، وهي الموازين التي تتميز في الظرفية الحالية بتراجع دور وتأثير الفاعل الحقوقي والسياسي، سواء الموجود داخل المؤسسات أو الموجود في المعارضة، ولا حاجة إلى التذكير بالطريقة التي جرى التعامل بها مع الفريق السابق على رأس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على خلفية ادعاءات التعذيب في حراك الريف، وكيف أن ما وقع حينها لم يثر أي رد فعل لدى جل الطبقة السياسية والحقوقية، لأنها منصاعة لحالة اللاتوازن القائمة.

يبدو أن النقاش حول الانتخابات المقبلة لا يخلو، كذلك، من هذا التنازع بين توجه تعزيز الديمقراطية، وتوجه آخر يرى في النقاش حول القوانين الانتخابية فرصة لتعزيز السلطوية والتحكم. الخلاف القائم حول تقنية القاسم الانتخابي الجديد تعكس ذلك التنازع بين التوجهين، ففي الوقت الذي يشكك حزب العدالة والتنمية وآخرون في دستورية اعتماد قاسم انتخابي يُحتسب على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، ويرون فيه تقنية تخالف المنطق الانتخابي، القائم على النزاهة والمنافسة وتكافؤ الفرص، يدفع آخرون في اتجاه اعتماد القاسم الانتخابي الجديد بذريعة حماية التعددية السياسية والحزبية، في إشارة إلى أحزاب مهددة بالزوال من البرلمان المقبل مثل الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية، في حال تبني القاسم الانتخابي على أساس الأصوات الصحيحة المعبّر عنها.

من المرجح أن قوى سياسية وحزبية وإدارية تسعى إلى استغلال ظرفية أزمة كورونا لإبعاد حزب العدالة والتنمية بواسطة قوانين انتخابية قد تسمح بهزيمته، خصوصا في حالة اختار هو أيضا تقليص عدد ترشيحاته. تبرز في هذا السياق عدة أفكار تؤكد أن دورة جديدة للمسار الديمقراطي قد تنطلق في حالة اقتنع حزب العدالة والتنمية بالتحكم ذاتيا في نسب ترشيحاته، في ربط غير مقنع بين تراجع “البيجيدي” من خلال تحجيم قوته الانتخابية ذاتيا، وبين احتمال تقدم المسار الديمقراطي، وهو احتمال لا يبدو أن هناك مؤشرات على إمكانية حدوثه، بل الراجح أن تعزز الخيارات السلطوية خلال كورونا وما بعدها، تماشيا مع التغيرات السياسية في المحيط الإقليمي والدولي، أي وفق النموذج الإرشادي الجديد، وأبرز معالمه الصراع بين الصين وأمريكا بما يمثله كل طرف من قيم وممارسات في السياسة والاقتصاد والاجتماع.

شارك برأيك