الصحراء.. بداية سقوط القناع الحقوقي وإعلان المواجهة السياسية – اليوم 24
الصحراء مغربية
  • 1307057

    ماسيمو كاتشياري: لقد فشلت أوروبا في سياستها الأورومتوسطية -حوار

  • عبد الحميد البجوقي

    عبد الحميد البجوقي: المغرب البلد الأهم لإسبانيا والجزائر شريك لا يمكن إهماله- حوار

  • المغرب اسبانيا

    صونيا مورينو: العلاقات المغربية الإسبانية عرفت دوما حالة من المد والجزر- حوار

سياسية

الصحراء.. بداية سقوط القناع الحقوقي وإعلان المواجهة السياسية

“في السياق الذي تشكل بعد هجمات 11 شتنبر 2001، أي دولة صغيرة قبالة جزر الكناري، يقطنها عدد قليل من السكان، هناك احتمالات كبيرة في أن تصبح دولة فاشلة، أو على الأقل، ستكون دولة مخترقة من قبل قوى أجنبية. في اعتقادي، لهذا السبب تطور موقف فرنسا وأمريكا، وفي الأخير إسبانيا، إلى الدفاع عن حل توافقي بين الطرفين يمنح للصحراويين نوعا من الحكم الذاتي لتدبير شؤونهم، لكن دون أن يتحولوا إلى فريسة سهلة للآخرين”. هذا ما قاله أحد كبار الاستراتيجيين الأوروبيين خورخي ديثكايار، أول مدير لمركز الاستخبارات الإسبانية، والسفير الإسباني السابق في كل من الرباط وواشنطن وروما، في حوار له مع صحيفة  “ألدياريو” الإسبانية في ماي 2018، تعليقا على تطورات ملف الصحراء في الألفية الجارية.

لهذا لا يمكن فهم المناورة الجديدة لجبهة البوليساريو والجزائر المتمثلة في تأسيس “الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي”، يوم الأحد الماضي من مدينة العيون، برئاسة الناشطة الانفصالية أمينتو حيدر، دون العودة إلى تطورات ملف نزاع الصحراء والسياقات الإقليمية والدولية، وحتى تطور الأحداث داخل الجبهة نفسها منذ سنة 2017. فالجبهة والجزائر تدركان جيدا أن أطروحتهما بدأت تتآكل في السنوات الأخيرة، إذ لم تعد تغري حتى الأصدقاء والحلفاء في إفريقيا والعالم، باستثناء بعض الأنظمة القليلة التي تدعمهما دفاعا عن استمرارها وليس حبا في الصحراويين. فالجبهة، وبتوجيه جزائري، وجدت نفسها مجبرة على تغيير استراتيجيتها الدفاعية في الأقاليم الجنوبية بعد الضربات التي تلقتها في السنوات الأربع الأخيرة، لا سيما بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017 بعد 23 عاما من الغياب، وبعد استقالة المبعوث الأممي السابق، الأمريكي كريستوفر روس، القريب من أطروحة الجبهة، في أواخر ماي 2017، وتعيين الرئيس الألماني السابق، هورست كوهلر، محله في غشت من السنة نفسها، قبل أن يستقيل بدوره في ماي 2019 بعد 20 شهرا حاول فيها تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، والتي انتهت بتنظيم جولات محادثات جنيف بين المغرب والجزائر والبوليساريو، لكنها انتهت، أيضا، إلى الفشل.

وعلى غرار ضربة العودة إلى الاتحاد الإفريقي، تمكن المغرب من اختراق بعض المعاقل التقليدية للجبهة في أمريكا اللاتينية، بحيث أعاد ترسيخ علاقته الدبلوماسية مع كوبا، وعزز علاقاته الثنائية مع السلفادور، وبنما، وبوليفيا، مقابل تراجع حضور الجبهة في العالم الجديد، في ظل التغيرات المهمة التي يشهدها مع وفاة الراحلين فيديل كاسترو (بكوبا) وهوغو تشافيز (بفنزويلا)، ومع أزمة النظام الفنزويلي الذي أصبح اليوم هشا أكثر من أي وقتا مضى، وترسيخ الديمقراطية في باقي الدول مع استثناءات قليلة جدا. كما أن إسبانيا التي كان ينشط فيها الانفصاليون أصبحت اليوم أكثر توجسا من الانفصال بعدما اكتوت بنيرانه في إقليم كتالونيا منذ سنة 2017، إلى درجة أن رئيس الحكومة الإسبانية، الاشتراكية، لم يستعمل في خطابه بالجمعية العامة للأمم المتحد في 2019، في سابقة، عبارة تقرير المصير في الصحراء، وفضل عبارة “مركزية الأمم المتحدة” في إيجاد حل لهذا النزاع الذي عمر لأزيد من أربعة عقود، رغم أن الأمر يتعلق بقضية عادية حولتها الجزائر ودول أخرى إلى قضية وطنية، خدمة لمصالحها الخاصة. علاوة على موقف الاتحاد الأوروبي الذي أصبح أقرب إلى الطرح المغربي، وهو الشيء الذي اتضح جليا مع إعادة توقيع اتفاقي الصيد البحري والمنتجات الزراعية بين بروكسيل والرباط، ومع الدعم المالي وقروض “الأكسجين” التي حصلت عليها الرباط لمواجهة تحديات الهجرة غير النظامية وتداعيات فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد الوطني.

فتأسيس الهيئة الانفصالية الجديدة من قلب العيون بإيعاز من البوليساريو، باعتراف الهيئة نفسها في بلاغها الختامي، يأتي أيضا في سياق إقليمي لا يخدم مصالح الجبهة، لا سيما في ظل اشتداد الأزمة الليبية ودخول المغرب بقوة على خط الوساطة بين الأطراف المتنازعة في الأيام الماضية، ومع انفجار الأزمة المالية بعد الانقلاب العسكري في غشت المنصرم على الرئيس المنتخب إبراهيم أبو بكر كيتا ، ومع تزايد نفوذ الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، وعودة قضية الهجرة غير النظامية إلى الدوران من شمال وغرب إفريقيا صوب أوروبا. كلها عوامل مهددة. لهذا، فاستقرار وأمن أوروبا يبدأ باستقرار المغرب ودول الجوار، لذلك لن تسمح، كما يقول خورخي ديثكيار، بخلق كيان وهمي في عمقها الاستراتيجي المغاربي؛ كيان قد يتحول إلى “دمية” في يد أطراف تصنفها أوروبا وأمريكا في خانة “الأعداء”. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حتى التوغل الروسي في القارة الإفريقية من البوابة الليبية والمالية والجزائرية أصبح محط توجس الأوروبيين والأمريكيين. هؤلاء لن يسمحوا بكيان قد يتحول إلى منصة روسية في المحيط الأطلسي، وفي منطقة استراتيجية وجيوسياسية كما جاء في كتاب: “الصديق الأمريكي” للمؤرخ البريطاني والباحث الرئيس في المعهد الملكي الإسباني “إلكانو”، تشارلز باول.

لكن يبدو أن النقطة التي أفاضت الكأس وجعلت البوليساريو وأتابعها في الأقاليم الجنوبية يخرجون من جبة “الدفاع عن حقوق الإنسان” التي كانوا يختبئون وراءها لسنوات، ويكشفون عن نواياهم السياسية الحقيقية، هو تأسيس في نونبر 2017 إطار سياسي صحراوي جديد بإسبانيا تحت اسم: “المبادرة الصحراوية من أجل التغيير”، بزعامة حاج أحمد البخاري، وزير سابق في البوليساريو وشقيق الراحل أحمد البخاري، ممثل الجبهة في الأمم المتحدة لمدة 16 عاما، وتأسيس، أيضا، في شهر ماي الماضي، الحركة السياسية المعارضة الجديدة  “صحراويون من أجل السلام”، بقيادة الحاج أحمد بريك الله. هذا دون إغفال محاولة الجزائر والبوليساريو تصريف المشاكل الداخلية التي تعيشانها منذ بداية السنة الماضية.

كما أن هناك من يعتقد أن تأسيس الهيئة الانفصالية الجديدة محاولة من جبهة البوليساريو للعودة إلى الواجهة بعدما خف زخمها الإعلامي في أمريكا اللاتينية وإسبانيا، وبعدما أصبحت هي نفسها مهمشة في سياق إقليمي ودولي له أولويات طارئة مثل مواجهة فيروس كورونا والإرهاب. كل هذا انتهى بتفجير تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان المعروف اختصار بـ”كوديسا”، والذي أسس سنة 2007. فهل سيدخل ملفا الصحراء منعطفا جديدا أم سيدخل مرحلة سقوط الأقنعة؟

سياقات سقوط القناع

تعددت سياقات وخلفيات التأسيس لكن الهدف واحد، وهو انتقال انفصاليو الداخل من لعب ورقة حقوق الإنسان في الصحراء إلى المواجهة المباشرة مع المغرب، من خلال تأسيس هيئة أقرب إلى حزب سياسي. محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، يرى أن إ اليوم في مرحلة إذا لم يكن المغاربة في المستوى قد يقعون في انزلاقات علان الهيئة الجديدة جاء “وفق سياق خاص، أسهم فيه اختلاف وتضارب الآراء والقراءات حول هذا الإطار. ويمكن فهم وتحليل دلالات ودواعي تأسيس هذا “المولود الجديد” وطبيعته في الأقاليم الجنوبية من خلال استحضار ثلاث خلفيات أساسية :الأولى، هي أن الإعلان عن هذا “التنظيم الانفصالي” الموازي لجبهة البوليساريو يأتي في سياق وتوقيت خاصين، إذ جاء بالتزامن مع التحركات الاستفزازية في معبر الكركارات لبعض المحسوبين على البوليساريو، وهي تحركات في المجمل وإن اختلفت طبيعتها وشكلها، فإن هدفها هو محاولة الضغط محليا على المغرب، ودوليا على مجلس الأمن من خلال محاولة خلق حالة من التوتر والاحتقان وتهويلها والنفخ فيها إعلاميا لإثارة انتباه المنتظم الدولي”، وتابع: “ثانيا، جبهة البوليساريو تعيش على إيقاع عزلة دولية واحتقان داخلي غير مسبوقين، خاصة في ظل انحسار وجمود مخطط التسوية الأممية، لا سيما وأن منصب المبعوث الأممي لايزال شاغرا لمدة تقارب السنة ونصف، وانسداد الأفق في مخيمات تندوف، كلها عوامل تدفع قيادة البوليساريو الحالية إلى اللعب بآخر الأوراق، ومحاولة تصدير الأزمة الداخلية عبر تحريك أذرعها وأجنحتها الموازية في الأقاليم الجنوبية، من خلال ثنائية التحرك الميداني والإسناد الإعلامي لامتصاص غضب ساكنة المخيمات، ومحاولة تحريك مسار التسوية الأممية”. وأضاف: “ثالثا، أن خلق “تنظيم جديد” مواز في الأقاليم الجنوبية المغربية، يعتبر تحولا نوعيا في استراتيجية جبهة البوليساريو، لا سيما وأن هذا التنظيم منذ تأسيسه يرتكز على بنية عسكرية شمولية، تعمل وفق بناء تنظيمي مركزي صارم، حيث ترتكز هذه البنية على إيديولوجية انفصالية شوفينية ذات طابع أسطوري، قائمة على الولاء المطلق، وتعادي من يخالفها أو من يحاول أن يناقش تصوراتها وتصرفاتها، هيكلة تنظيمية عسكرية يدبر من خلالها الزعيم أو من يحركها كافة المستويات السياسية والإعلامية، ولا تسمح بتأسيس الإطارات الموازية، خاصة السياسية منها”.

فيما يعتقد المحامي والباحث في ملف الصحراء، نوفل البعمري، في حديث مع “أخبار اليوم” أن الهيئة الجديدة ليست وليدة اليوم أو اللحظة، بل هي نتاج لمسار وتحول قطعته الحركة الانفصالية عموما بإقليم الصحراء المغربية، خاصة مع حدثين؛ الأول فشل الحشد الداخلي والخارجي في الضغط على القضاء المغربي في ملف “أكديم إيزيك”، خاصة لحظة إعادة المحاكمة التي انطلقت في دجنبر 2017، حيث كانت هناك مراهنة عليها من أجل إعادة بناء حركة انفصالية في الجنوب المغربي تحت يافطة حقوق الإنسان، لكن فشل التعبئة، وعدم قدرة انفصاليي الداخل على خلق حالة توتر داخلي انطلاقا من هذا الملف الذي كان يحظى بمتابعة إعلامية وحقوقية دولية، أدى إلى انطلاق نقاش داخلي حول الأسباب التي جعلت انفصاليي الداخل غير قادرين على التحول إلى مخاطب أمام المنتظم الدولي. ثانيا، ما زاد من تعميق أزمة هذا التيار، وفق البعمري، هو عامل أساسي مرتبط بأزمة ذاتية تتعلق بحالة الانقسام الداخلي بين مجموعة أمينتو حيدر، التي تعتبر نفسها هي الناطقة باسم انفصاليي الداخل، وبين مجموعة علي سالم التامك، التي كان ينظر إليها باعتبارها مجموعة تنتمي إلى خارج منطقة النزاع، وهو ما تجلى في بيان أمينتو حيدر الذي أعلنت فيه بشكل انفرادي، وبتنسيق مع قيادة الجبهة، حل “كوديسا” وعزل غالبية الانفصاليين المنحدرين من خارج «منطقة النزاع»، رغم ما قدموه للبوليساريو، والذين أعلنوا في بيان مضاد استمرار “كوديسا”.

وينتهي البعمري إلى أن فشل التيار الحقوقي الانفصالي والإعلام الرسمي والبوليساريو وقيادته في “إدارة هذا الهدف السياسي الذي يراد منه نقل السيادة المغربية على هذه الأقاليم إلى السيادة الأممية من البوابة الحقوقية” أدى إلى التفكير في دفع مجموعة أمينتو حيدر إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى من مراحل الصراع بالمنطقة، وانخراطها العلني في معركة سياسية ضد المغرب، وهي معركة أصبحت قواعدها اليوم واضحة، ولم تعد تخفي نفسها تحت يافطة حقوق الإنسان.

فيما يخلص الزهراوي إلى أن هذا التحول النوعي (تأسيس الهيئة الانفصالية) يؤشر على أن البوليساريو أصبحت تراهن على  “التنظيمات الموازية”، وذلك لتحقيق هدفين اثنين: أولا، لمواجهة ومزاحمة التنظيمات الجديدة ومحاولة التشويش عليها لتفادي وقوع انشقاقات داخلية، حيث ظهرت في الآونة الأخيرة بعض التنظيمات الجديدة، كحركة صحراويون من أجل السلام، والتي باتت تنازع البوليساريو في الشرعية التمثيلية، والهدف الثاني، هو محاولة خلق تنظيمات للاشتغال ميدانيا في الجنوب المغربي وفق مستويات متعددة بعد فشل التنظيمات الأخرى ذات الطابع الحقوقي مثل “الكوديسا”.

الانفجار الداخلي

وإذا كانت السياقات العامة والخاصة والخلفيات السياسية ساهمت في ميلاد “الإطار الجديد” ونقل المواجهة من معترك حقول الإنسان إلى القانون الدولي، فإن هناك ثلاثة عوامل موضوعية مباشرة جعلت جبهة البوليساريو والجزائر تلعبان ورقة تأسيس إطار سياسي جديد: أولا، تأسيس الإطارين السياسيين الصحراويين المعارضين للجبهة المؤسسين سنة 2017 (المبادرة الصحراوية من أجل التغيير) و2020 ( صحراويون من أجل السلام). الحركتان معا تضمان في صفوفهما أعضاء ومسؤولين وقياديين ووزراء وسفراء سابقين في جبهة البوليساريو، لهم نفس “الشرعية” التاريخية التي تزعمها الجبهة.  فالحركتان المعارضتان وجهتا انتقادات لاذعة إلى الجبهة، مقابل بعث رسائل مشفرة ودية تجاه المغرب، وهو الشيء الذي أثار غضب الجبهة. لهذا، يرجح أن تكون الجبهة لجأت إلى استعمال نفس تكتيك معارضيها من خلال خلق إطار جديد موال لها من داخل الأقاليم الجنوبية. ثانيا، الاضطرابات التي تعرفها مخيمات تيندوف في السنوات الأخيرة واعتقال العديد من النشطاء، وتدهور الأوضاع الاجتماعية وتصاعد الاحتقان مع تراجع المساعدات الدولية وانتشار فيروس كورونا. ثالثا، تأثير الحراك الشعبي في الجزائر والصراعات في القيادة الجزائرية، لا سيما في ظل الحديث عن رغبة الجيش الجزائري في التخلص من إبراهيم غالي، زعيم الجمهورية الوهمية. أمام هذا الوضع، يبدو أن الجبهة لعبت ورقة خلق إطار جديد بالعيون بهدف تحريك الملف في ظل الجمود الذي يعرفه منذ استقالة المبعوث الأممي الألماني في ماي 2019، وبقاء منصبه شاغرا إلى حدود الساعة، ومع اقتراب صدور التقرير الأممي السنوي في نهاية شهر أكتوبر المقبل. وربما تدرك الجبهة أن مجلس الأمن، في ظل انشغال الأعضاء الخمسة الدائمين والعالم برمته بمواجهة أزمة كورونا، قد يمدد لولاية للبعثة الأممية المعروفة بـ”المينورسو” لسنة أخرى، وهو الشيء الذي يعتبر انتصارا للمغرب، ما جعلها تدخل  في حملة إعلامية ودعائية مبكرة لإعادة الملف إلى الواجهة.

ويذهب نوفل البعمري إلى أن تَأْسِيس «حركة صحراويون من أجل السلام» داخل الأقاليم الجنوبية، باعتبارها حركة مدنية سياسية صحراوية تطالب بحل ثالث، وبالتسريع به، وبالتعامل معها بصفتها طرفا من داخل المباحثات السياسية الأممية، يُزاحم مشروعية الجبهة، ويهدم فكرة «الممثل الوحيد والشرعي للشعب الصحراوي»، خاصة مع نجاح غالبية الفعاليات التنظيمية التي أعلنت بالأقاليم الصحراوية، وتأسيس إطارات موازية لها للشباب والمرأة الصحراوية… ما أدى إلى عزل التيار الانفصالي التقليدي، وخلق ضغط سياسي وتنظيمي على البوليساريو، كما عجل بميلاد هذه الهيئة الانفصالية. وهو ما عبر عنه محمد الزهراوي قائلا: “أصبحت (البوليساريو) تراهن على “التنظيمات الموازية”، وذلك لتحقيق هدفين اثنين، أولا، لمواجهة ومزاحمة التنظيمات الجديدة ومحاولة التشويش عليها لتفادي وقوع انشقاقات داخلية، حيث ظهرت في الآونة الأخيرة بعض التنظيمات الجديدة، كحركة “صحراويون من أجل السلام”، حيث باتت هذه الحركة تنازع البوليساريو في الشرعية التمثيلية، والهدف الثاني، هو محاولة خلق تنظيمات للاشتغال ميدانيا في الجنوب المغربي وفق مستويات متعددة بعد فشل التنظيمات الأخرى ذات الطابع الحقوقي مثل “الكوديسا”.

تخوف البوليساريو من “التنظيمات الموازية”، بتعبير الزهراوي، تجسده المواجهة الخطابية غير المباشرة بين إبراهيم غالي، زعيم الجبهة، والحاج أحمد بريك الله، زعيم الحركة السياسية المعارضة الجديدة “صحراويون من أجل السلام”، يوم 20 ماي المنصرم، بمناسبة ما يسمى “الذكرى السابعة والأربعين لاندلاع الكفاح المسلح”. إذ أكد احمد بريك، المندوب السابق للجبهة في إسبانيا ووزير التعاون قبل استقالته سنة 2012 وأحد الصحراويين المعروفين في أمريكا اللاتينية، أن الجبهة ليست الممثل الوحيد للشعب الصحراوي، معترفا، في الوقت عينه، بحق المواطنين المغاربة الصحراويين بالأقاليم الجنوبية في التعبير عن آرائهم الداعمة لأطروحة الرباط. في المقابل، وجه رسائل مشفرة مهادنة إلى السلطات المغربية، جاعلا باب الحوار مفتوحا، رغم تأكيده أنه لم يتلق أي اقتراح أو عرض من المغرب.

كما أن زعيم “المبادرة الصحراوية من أجل التغيير”، حاج أحمد البخاري، الوزير السابق في البوليساريو وشقيق الراحل أحمد البخاري، ممثل الجبهة في الأمم المتحدة لمدة 16 عاما، كان قد أكد أنه يجب إخراج الشعب الصحراوي من “البئر المظلمة”، في إشارة إلى “بئر لحلو”، التي يقبع فيها منذ انسحاب إسبانيا من الصحراء، مؤكدا أن “الحل يجب أن يكون وسطيا بين ما هو ممكن وما يرجى. الحل المعقول هو ذلك الذي تتلاقى فيه مصالح بعض المغاربة وحقوق صحراويين آخرين”، وأردف أن الخروج من البلوكاج يفرض على الطرفين “إبداء حسن النية وبناء الثقة”.

“الحركتان معا عريتا بنية البوليساريو، لكن ليس بالشكل الكبير. لكن أعتقد أن الشيء الذي خدم كثيرا الحركتان هو رد فعل البوليساريو والجزائر إزاءهما، خاصة على مستوى التدبير الإعلامي. فرد فعل الجبهة رفع من أسهم الحركتين معا. الشيء الجديد اليوم هو المتاعب التي تخلقها الحركتان للجبهة والجزائر، إذ إنهما تقولان إن الحركتين لديهما نوعا من التنسيق مع المغاربة، ولديهما تنسيق مع الاستخبارات الإسبانية، بحيث أن الجبهة والجزائر تتوجسان من وجود تنسيق بين المغرب وإسبانيا، لهذا لا يستبعد أن يكون اختيار تأسيس الهيئة الجديد الآن، هو بمثابة إعلان الانتقال في المواجهة مع المغرب من إطار حقوق الإنسان إلى المعركة السياسية، انطلاقا من القانون الدولي الإنساني والسياسي”، يقول مصدر عليم بملف الصحراء في حديث مع الجريدة.

مع ذلك يصعب الخروج بخلاصة جامعة مانعة بخصوص الديناميات الجديدة التابعة للجبهة، من جهة، أو المناهضة لها، من جهة ثانية. فإذا كانت الأولى تجهر بعدائها ورفضها للطرح المغربي، فإن الثانية لم تبد أي موقف واضح تجاه المقترح المغربي القائم على الحكم الذاتي، باستثناء بعض رسائل الود تجاه الرباط والأطراف الدولية والإقليمية، بحيث اكتفت إلى حدود الساعة بمناهضة الجبهة دون أن تتقدم بمقترح خاص إلى السلطات المغربية أو إلى الأمم المتحدة.

هذا الغموض الذي يلف التنظيمات الموازية، سواء الداعمة أو المناهضة للجبهة، هو ما عبر عنه الناشط الحقوقي المغربي، خالد البكاري، قائلا: “مبادرة “صحراويون من أجل السلام” بدورها يظل أفقها ملتبسا، فلا هي تؤيد مقترح الحكم الذاتي صراحة، ولا هي تتشبث بمطلب الدولة المستقلة، وتتحدث عن الشعب الصحراوي ورغبته في السلام وتسوية النزاع سلميا دون أن تتحدد كيف، وفي أي أفق (جزء من المغرب، حكم ذاتي، دولة مستقلة، أوطونوميا)”. ولخص هذا الغموض قائلا: “الأساس، أننا أمام ديناميات جديدة، وغير واضحة للمتتبع المغربي، فلا نكاد نعرف سوى قليل عن مبادرة “صحراويون من أجل السلام”، وعن الهيئة الجديدة”.

ماذا بعد الهيئة؟

في انتظار توافق الدول الكبرى المعنية بملف الصحراء حول الشخصية التي ستشغل منصب المبعوث الأممي في الصحراء المستحدث سنة 1996 بعد استقالة الألماني كوهلر في ماي 2019، وانتظار قرار مجلس الأمن المرتقب نهاية أكتوبر المقبل حول تمديد ولاية بعثة المينورسو؛ يَبْدُو أن الجمود سيكون سيد الموقف، باستثناء بعض المناورات الانفصالية الموجهة للاستهلاك الإعلامي ولاستفزاز السلطات المغربية، مثل تأسيس الهيئة الجديدة، أو كما يجري في معبر الكركارات، منذ الساعات الماضية، حيث تهدد الجبهة بإغلاقه، وفق مصادر عدة. وفي هذا الصدد، يعتقد نوفل البعمري أن الهيئة الجديدة “لن تكون لها قيمة سياسية أو تأثير مباشر على مسار النزاع الأممي، لذلك أمام هذا المعطى يبقى التحدي الأساسي بالنسبة إلى المغرب هو الاستمرار في دعم المجتمع المدني المحلي المستقل، المتعدد والمتنوع بالمنطقة، لأنه هو الكفيل بمواجهة مختلف الطروحات الانفصالية والرد عليها”.

وتوقع البعمري أن لن تتعاطى الأمم المتحدة إيجابيا مع الهيئة الجديدة لأنه لا يمكن تصور أن يكون هناك تعاملا رسميا مع هيئة تدعو إلى الانفصال، خاصة بالمضامين التي أعلنت عنها في “وثائق” الهيئة التي تحيل على أدبيات كلاسيكيات جرى تجاوزها من طرف مجلس الأمن الذي أصبح اليوم يدعم حلا سياسيا متوافق بشأنه، وحله بروح ودينامية جديدة، أي غير دينامية الانفصال، كما أن البوليساريو نفسها لن تسمح بوجود مخاطب سياسي من داخل الأقاليم الصحراوية الجنوبية من دونها، مما يشير إلى أن هذا المولود ولد ميتا سياسيا وتنظيميا. وهو الرأي الذي عبر عنه، أيضا، الباحث المغربي في الشأن الصحراوي، المساوي العجلاوي، بطريقته الخاصة، قائلا: “الهيئة الجديدة لا وزن ولا قيمة لها في ملف الصحراء”، بل هي “شرذمة صغيرة” تبحث عن الاستفزاز، ولا صوت لها لدى الصحراوي، وعليه، “لا يمكن أن يستدل بالجزء على الكل”.

فيما يحذر مصدر صحراوي من التطور الأخير قائلا: “تأسيس الهيئة الجديدة، بالنسبة إلي، تحول كبير وجديد. هل هو تحول مبدئي أم مرتبط بتحولات أخرى تعرفهما الحركتين الصحراويتين المعارضتين “مبادرة من أجل التغيير” و”صحراويون من أجل السلام”، أم هو تحول جذري وليس تكتيكيا؟ لكن، الأكيد، أننا اليوم في مرحلة إذا لم يكن المغاربة في المستوى قد يقعون في انزلاقات”.

شارك برأيك