بلال التليدي يكتب: مخاطر نخب النفوذ ونخب المال – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: مخاطر نخب النفوذ ونخب المال

  • بلال التليدي يكتب: الفاشلون

  • بلال التليدي: يكتب حجج سخيفة

البلاغ الملكي الذي صدر بخصوص مجلس المنافسة ليس عاديا، ليس لأنه يقدم معطيات دقيقة للرأي العام حول الخلاف الواقع داخله مما لم يكن متيسرا معرفته من قبل، ولكن لكونه يؤشر على أن الموضوع يتجاوز شركات المحروقات.

البلاغ الملكي يصوغ المشكلة بشكل حيادي مهني، يقدم وجهتي نظر الطرفين، من خلال استنطاق وثائقهما، ويضع حلا للمشكلة.

القراءة التي تلقي باللائمة على الرئيس وتنسب إليه أخطاء مسطرية أو تدبيرية، أو القراءة المقابلة التي تضع المشكلة في خانة أعضاء المجلس وتستند إلى تصويتهم على قرار معاقبة شركات المحروقات الثلاث، جزئيتان، إذ السؤال الذي يطرح على القراءة الأولى هو السبب الذي دعا الرئيس إلى إصدار مذكرتين في زمن متقارب بحيثيات وقرار مختلف، والسؤال الذي يطرح على القراءة الثانية، هو أن حيثيات نقد تدبير الرئيس لا تشمل الطعن في العملية الانتخابية التي حدثت، ولا القرار الذي جرى اتخاذه، وكل ما ورد فيه هو انتقاد عملية اللجوء إلى الحسم عبر آلية التصويت قبل اكتمال المناقشة.

ما يثير التساؤل حقيقة هو مدى قدرة رئيس مؤسسة دستورية أن يبعث للديوان الملكي في أقل من أسبوع بمذكرتين مختلفتين في المضمون، ومدى قدرة أعضاء المجلس أن يبعثوا بورقة احتجاجية على سلوك الرئيس، وهم الذين شاركوا في عملية التصويت حتى أفضت إلى القرار.

والجدير بالتأمل هو قضية التوقيت، فمذكرة الرئيس الثانية وورقة أعضاء المجلس جرى بعثهما في التوقيت عينه، أي يوم 28 يوليوز، وهو ما يفيد بأن التاريخ الفاصل بين 23 يوليوز و28 يوليوز، كان فترة مهمة للتفاوض للبحث عن مخرج، ولم يكن قرار خصم 8 في المائة من أرباح شركات المحروقات، بعدما كان 9 في المائة حلا مرضيا.

ما يستدعي النظر، أيضا، هو مضمون احتجاج أعضاء المجلس، والذي اشتمل على وصف اختلالات الرئيس المسطرية والتواصلية، وعلى اتهامات بتلقي تعليمات وبوجود أجندة محركة، في حين لم تتضمن مذكرة الرئيس، حسب بلاغ الديوان الملكي، أي احتجاج على سلوك أعضاء المجلس، ولا وصف لسلوكياتهم.

ترمز مكونات لجنة التحقيق التي عينها الملك إلى أن القضية كبيرة في أبعادها، فحضور رئيسي البرلمان، ورئيس المحكمة الدستورية، ورئيس مجلس الحسابات، ووالي بنك المغرب، ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، يُفهم منه على الأرجح معنيان، الأول أن مجلس المنافسة كمؤسسة دستورية صغير جدا عن حسم هذا الملف الضخم، ولذلك لم يستطع إدارته بحمولاته المختلفة، وبمستويات تشابكه، وما يرتبط به من ضغوط نخب اقتصادية قوية، وأن النتيجة كانت هي حصول الانقسام في جسمه بدل التوصل إلى قرار بشأنه، والثاني، أن اختراق النخب الاقتصادية للمؤسسة الدستورية، وما انتهى إليه وضعها إلى الانقسام، يثير أسئلة على صورتها، ولذلك حضرت كل تلك المكونات في لجنة التحقيق، بما في ذلك المعنية بالتدقيق المحاسباتي والحكامة والشفافية.

الخطير الذي يمكن أن يُقرأ في بعض الحيثيات المضرة بصورة هذه المؤسسة الدستورية، هو قدرة بعض النخب على تحريكها أو تحريك بعض مكوناتها لمصلحتها، سواء أكانت نخب نفوذ أو نخب اقتصاد.

لكن مهما يكن الأمر، فتعليمات الملك بفتح التحقيق، يدل على أن المؤسسة الملكية ساهرة على السير العام للمؤسسات، وترفض أن تصير المؤسسات الدستورية رهينة نخب نفوذ أو نخب اقتصاد تديرها من خارجها.

يبقى السؤال الغامض هو دور لجنة التحقيق، وهل هو القيام بدور هذه المؤسسة الدستورية والنيابة عنها في اتخاذ القرار بشأن شركات المحروقات على خلفية ممارسات تركيزية احتكارية، أم إن دورها  لا يتعدى النظر في اختلالات مجلس المنافسة، ورفع تقرير بشأنها إلى الملك لاتخاذ القرار بشأنها؟

من المرجح أن لجنة التحقيق، لن يكون بمقدورها أن تتخذ القرار إلا حول الخروقات في أداء المجلس، أي في صحة القرار من عدمه، أي سيتخذ القرار في أداء مجلس المنافسة، لا في القرار الذي سيتخذ في حق شركات المحروقات الثلاث.

وفي المحصلة، لن تكون النتيجة سوى إعادة وضع هذا المجلس على سكته الحقيقية، إما بعزل الرئيس أو عزل الأعضاء، أو عزل الجميع، في انتظار تعيين هيئة جديدة للمجلس المنافسة. وفي جميع الأحوال، فإن القرار بشأن شركات المحروقات، سيبقى معلقا بميلاد مجلس منافسة أو بتجديد هيئته، مما يعني إعادة ملف المحروقات إلى نقطة الصفر.

سيكون من المؤسف جدا أن يشعر المواطن أن ملف المحروقات استطاع أن يعطل أداء لجنة برلمانية ويمنعها من إصدار تقريرها، واستطاع أن يقسم مؤسسة دستورية، واستطاعت شركات المحروقات أن تكسب كل هذا الوقت، في انتظار نتائج التحقيق وقرار الملك.

شارك برأيك