بلال التليدي يكتب: لماذا المساجد لم تفتح؟ – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: لماذا المساجد لم تفتح؟

  • بلال التليدي يكتب: مساجلة في الملكية والإسلاميين والانتقال الديمقراطي

  • بلال التليدي يكتب: مشي بعكاز واحد

أقرأ هذه الأيام كمًّا هائلا من الانتقادات التي لا ترى ضرورة لاستثناء المساجد من إجراءات التخفيف، وتحاول أن تقارن مؤسسة العبادة بالمقاهي والمطاعم والحمامات وغيرها مما شملته بعض إجراءات التخفيف. 

والبعض الآخر، لم يقف عند حدود هذه المقارنة، فراح ينسج روايات يقرأ بها إجراءات إغلاق المساجد والاكتفاء فقط بالأذان، وعدم أداء صلاة التراويح وكذا صلاة العيد هذا العام، فضلا عن تعليق فريضة الحج لغير المقيمين في السعودية، على أساس أنها مؤامرة ذكية استهدفت الدين وشعائره، وأنه لم يحدث أن تعطلت هذه الشعائر مرة واحدة مجتمعة، كما حدث مع إجراءات الحجر الصحي. 

 نحب أن نناقش كل دعوى لوحدها، فالجمع بينهما خطير في سياقنا المغربي، إذ مقتضاه أن ثمة تواطؤا ما ضد الدين، وهذا لا يتناسب مع وظيفة إمارة المؤمنين وموقع الدين في النسق السياسي المغربي.

نناقش الدعوى الأولى، لأن فيها قدرا من المزايدة على مؤسسة ترعى الشأن الديني، ولها الاختصاص فيه، إذ لا يتعلق الأمر بعمل الحكومة، ولا حتى بتقدير وزارة الأوقاف المكلفة بمقتضى إمارة المؤمنين بتدبير الشأن الديني، وإنما يتعلق بقرار استراتيجي بيد الملك بصفته أميرا للمؤمنين.

في جميع بلدان الدنيا، كان القرار المتعلق بتدبير جائحة كورونا بيد صانع القرار السياسي، الذي يستمع إلى رأي اللجان العلمية المختصة، ويتحمل مسؤوليته بعدما ينتهي إلى علمه تقديرها والسيناريوهات التي توضع بين يديه عند كل حالة بعينها.

وهكذا كان الشأن بالنسبة إلى المغرب الذي استطاع بذكاء أن يهيئ الشروط المُثلى للخروج من الوباء، ربما بأقل الأضرار، وبتحلل تدريجي من الحجر الصحي، اعتمد بعض المعايير التي كانت شفافة ومفهومة، سواء في تمييز المناطق، أو في اعتماد مراحل الحجر الصحي.

الناس تعرف اليوم بكل وضوح، أن المناطق التي لاتزال في الخانة اثنين، ليس وضعها الوبائي مثل المناطق التي توجد في الخانة 1، ويعرفون أن هناك تخفيفا كبيرا لوضعية الحجر الصحي بين المرحلة الأولى والثانية، ويعلمون أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تخفيفا، إذ سينفتح المغرب على محيطه الخارجي قريبا بعد الالتزام بجملة بروتوكولات ثنائية بين المغرب وإسبانيا لتيسير عملية العبور، وبروتوكولات أخرى دولية لتيسير عملية النقل الجوي.

نأتي لجوهر المشكلة التي تتعلق بالمساجد، والتي يتشوق الناس إليها ويحنون إلى كل ركن من أركانها، فهذا كله متفهم ولا مزايدة فيه، لكن في المقابل، فالأمر يتعلق بتقدير يتعلق بسلامة الناس، والأمر هنا لا يتعلق بفرد أو خمسين فردا، وإنما بكتلة بشرية تملك وزارة الأوقاف على وجه الدقة عددها سواء في الصلوات الخمس، أو في صلاة الجمعة، فهل سيكون سائغا القول، إن المساجد ستكتفي فقط، بـ50 في المائة من المصلين، وهل سيكون سائغا من الناحية الشرعية أن نسمح للبعض بالدخول لأداء الصلاة بالمسجد، وألا نسمح للآخرين بدعوى البروتوكول الصحي المطبق عند فتح بوابة المساجد؟

بعض المنتقدين، يتكلمون، أو بالأحرى يثرثرون، دون أن يتصورا إلى ما يؤول كلامهم، ويعقدون المقارنات الفارغة، وهم لا يدركون أبعاد القضية الصحية الشرعية أيضا، والبعض الآخر، يزايد بهذا الموضوع، وربما يقصد إحراج يحرج المؤسسة التي لها الاختصاص، ويظهرها في صورة من المتحلل من الدين، أو على الأقل عدم إدخاله في مربع أولويات تخفيف الحجر الصحي.

والواقع أن هذا الخطاب خطير، ليس لأنه يزايد على المؤسسة التي لها الاختصاص، ويحاول أن يكسب في معركة السياسة معها نقاطا، ولكن لأنه يزرع بذور الشك في خلفياتها، أو على الأقل يتهمها بالتقصير في تدبير هذا الملف.

من جهة الدستور، لا مزايدة على مؤسسة الاختصاص في الموضوع، فهي التي تقرر تبعا لفتوى العلماء (المجلس العلمي الأعلى) ما يجب وما لا يجب في قضية تدبير الشأن الديني زمن الجائحة، فهي التي تقرر إغلاق المساجد، وهي وحدها التي تقرر فتحها، وهي وحدها التي تملك المعطيات والسيناريوهات التي تساعدها على اتخاذ القرار الحكيم في هذا الموضوع. ورمزيا وأخلاقيا، يتوجب على المغاربة، وعلى النخب، لا سيما منها التي تبحث عن مناطق التماس، أن تُخرج هذا الموضوع من مساحات الاشتباك، لأنه مرتبط بالأمن والطمأنينة الدينية، أي مرتبط بالإجماع، واللعب به مقامرة كبيرة، ولا يدري أحد أين تتجه سفينة المقامرة والمغامرة بمن ركبها؟ أفضل الكلام أن يقال إن المغاربة ائتمنوا إمارة المؤمنين على القرار الديني، ولهم كامل الثقة في حكمتها وتدبيرها وحرصها على تأمين الحياة الروحية للمغاربة، وأن المزايدة في هذا الموضوع خط أحمر لن يفيد المغرب ولا المغاربة ولا النخب التي تحاول أن تبحث عن مناطق اشتباك جديدة تستثمر فيها ورقة التشكيك في الشرعية الدينية.

شارك برأيك