عبد الدين حمروش يكتب: لغتنا الدبلوماسية – اليوم 24

عبد الدين حمروش يكتب: لغتنا الدبلوماسية

  • 64-201448-uae-celebrates-40-years-with-iaea_700x400

    بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية..تدشين نافورة مغربية عقب خضوعها لأشغال الترميم

  • 0688ED6D-A4E7-4927-9ACF-E4DCCA5D754F

    ملفات”فنسن”.. هجوم باريس: لعنة الاسم تلاحق 78 مليون دولار- تحقيق دولي

أصدرت وزارة الخارجية المغربية «بلاغا»، بعد عرض الرئيس الأمريكي خطته للسلام، المعروفة اختصارا بـ «صفقة القرن». وبالنظر إلى لغة البلاغ ومضمونه، نسجل أن المغرب بدا، للعديد من المُتابعين والمُعلِّقين في الصحف والمواقع، أقرب إلى تأييد خطة الرئيس الأمريكي للسلام. فهل كان هذا هو الواقع؟

بالعودة إلى بلاغ الخارجية المغربية، الذي اطلعنا عليه مجتزأ في شكل مقتطفات صحافية، سنجد أنه مكون من أربعة محاور عامة:

1- تقدير جهود الرئيس الأمريكي وإدارته المبذولة للسلام، بهدف التوصل إلى حل عادل، دائم ومنصف لهذا الصراع. وأمام هذه الجهود المُقدَّرة، لم يسع المغرب، حسب البلاغ المذكور، إلا أن يَقدِّم وعدا بدراسة الخطة وتفاصيلها بعناية فائقة؛

2- تأكيد بعض الاشتراطات المبدئية، التي رافقت «القضية»، منذ بداية مسار أوسلو، مُمَثلة في: الاستناد إلى حل الدولتين، التشجيع على التفاوض، قبول الأطراف المعنية بالخطة، أولوية البعد السياسي في الحل (رفض المقاربة الاقتصادية منفردة)؛

3- تخصيص القدس بحيز مهم، من منظور كونها بؤرة مركزية في حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وقد وردت القدس، بحسب البلاغ، في سياق الإحالة إلى:

أ- حرية الوصول الكاملة إلى أتباع الديانات التوحيدية الثلاث وحقهم في العبادة (إلخ)؛

ب- الحفاظ على وضع القدس، مع مناقشة القرار النهائي بين الطرفين وفقا للشرعية الدولية.

4- المُبادرة إلى التفاوض، في إطار من الأهداف المحددة. ويمكن استعراض أهم ما جاء في هذا المحور على النحو التالي:

أ- التشديد على الوسيلة (الحاجة المُلحَّة الآن): البدء بعملية السلام؛

ب- التذكير بالأهداف: التوصل إلى حلّ واقعي، قابل للتطبيق، مُنصف ودائم للقضية الإسرائيلية- الفلسطينية. ولمنح هذه الأهداف معنى ملموسا، اشتُرط لذلك تحقيق: دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، ذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقية.   بعد هذا العرض العام لمحاور البلاغ، يمكن التساؤل، مُجددا، ولكن بصيغة أخرى: هل في بلاغ الخارجية المغربية خروج عن مواقف المغرب المُعتادة من القضية الفلسطينية؟ بالطبع، ليس هناك أي خروج، مادام قد تمّ التنصيص على: حلّ الدولتين، دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة وقابلة للحياة، القدس الشرقية عاصمة.     غير أن الخارجية المغربية، بدل التنديد الصريح بما جاء في خطة السلام «الترامبية»، اختارت تسجيل مواقف المغرب المبدئية: وهي المواقف التي لا يخفى تناقضها مع مضمون صفقة القرن. ولعل لغة دبلوماسيتنا الخافتة، التي تَسيَّدت مجمل مفاصل البلاغ، هي التي جعلت موقف المغرب المعلن لا يلبي أفق الانتظار، بحكم عدم مواكبته درجة الصدمة المُترتِّبة عن إعلان الصفقة. في بلاغ الخارجية، بحسب قراءتي، كان هناك تمييز واضح بين اعتبارين اثنين:    – الأول، له علاقة بالمضمون: وبلاغ الخارجية يُشهر في وجهه عبارة «لا»، ولو بشكل غير مباشر، عبر تأكيد المواقف المبدئية المناصرة للقضية الفلسطينية. بالفعل، إذا عزلنا هذه المواقف، سنجدها تتناقض مع مواقف خطة السلام المُعلنة؛

– الثاني، له علاقة بصاحب العرض، أي بالجهة التي قامت بصياغته وأعلنت عنه: والبلاغ يشيد، هنا، بجهود الرئيس الأمريكي وإدارته في تحقيق السلام. وليس يحتاج القارئ إلى أي جهد، في محاولة رصد عبارات الإشادة، من قبيل: أهمية هذه الرؤية ونطاقها، الجهود البناءة للسلام، إلخ.

أتصور أن تقدير جهود ترامب، في مقدمة نص بلاغ الخارجية، رَهَنَ ما ورد من فقرات في ما بعد، إلى درجة جعلت الموقف المغربي في حكم المُشتبه به (وكأنه مُوافق على صفقة القرن). أما الاستطراد في الإحالة إلى نداء القدس، وما جاء فيه من دعوة إلى حرية الوصول الكاملة إلى أتباع الديانات السماوية وحقهم في العبادة (إلخ)، جعل القدس الشرقية لا تظهر صريحة بصفتها عاصمة للدولة الفلسطينية إلا في الفقرة الموالية من البلاغ. الحديث عن القدس، في سياق العبارات والمعاني السابقة، بدا حديثا إنشائيا أكثر منه دبلوماسيا، لا أقلّ ولا أكثر.

يمكن الزعم بأن بلاغ الخارجية المعنيّ، كان مُوجّها إلى الرئيس الأمريكي بشكل أساسي (بقصد ترضيته). ما يؤكد ذلك، هو ما حظيت به جهود ترامب للسلام من تقدير، في الفقرة الأولى، على الرغم من أن مضمون البلاغ يُعاكس ما ورد في «الصفقة». ومع ذلك، فقد كنا نرجو أن يكون المغرب أكثر قوة في رده، من خلال التنديد بصفقة ترامب وما جاء فيها. بالنسبة إلى قراءتي الخاصة، كان تحدي الخارجية المغربية، في بلاغها، مُجسَّدا في محاولة التوفيق بين أمرين (لا توافق بينهما على الإطلاق): تقدير جهود الرئيس الأمريكي باعتباره صاحب «الخطة»، دون أن يعني ذلك الموافقة على مضامينها. ولعل «مَوْقِع» الفقرة، المُتضَمِّنة لعبارات التقدير في بداية البلاغ، أفرغ الأخير من قوة ما تلا من فقرات (في إطار التذكير بالمواقف المبدئية من القضية).

لا يخفى على أحد الحسابات السياسية، التي دفعت الخارجية المغربية إلى أن تصدر مثل هذا البلاغ لـ»رفع العتب»، بحكم التناقضات التي ظلت تخترقه. كيف يمكن تقدير جهود الرئيس الأمريكي، في الوقت الذي جاءت خطته للإجهاز على حقوق الشعب الفلسطيني بشكل غير مسبوق؟ كيف يمكن وصف جهوده تلك بالبناءة، مادام قد جرى الإعلان عن كون القدس عاصمة إسرائيل الموحدة؟ أليس مثل هذا الإعلان يتناقض مع «جوهر» وجود لجنة القدس أصلا، التي يترأسها الملك محمد السادس شخصيا؟

لم يكن لأحد أن ينتظر خروج المغرب ببلاغ شديد اللهجة ضد الخطة الأمريكية الأخيرة. اللغة الدبلوماسية لخارجيتنا، التي تعاقب عليها أكثر من حكومة ووزير، ظلت ميّالة إلى التعبير عن المواقف المبدئية: عدم التدخل في شؤون الغير، الدعوة إلى التفاوض والتوافق، عدم الحلول مكان الأطراف الرئيسة في الصراع. ومن هنا، كان من المُستبعد أن يتبنى المغرب مواقف شديدة، مثل تلك التي أعلنت عنها إيران أو تركيا.

ومع ذلك، فإن المغرب بدا، في موقفه الأخير، أكثر حيادية من اللازم، بالنظر إلى اللغة الدبلوماسية المُستعمَلة من جهة، والطريقة التي بُني على أساسها البلاغ من جهة أخرى. ما يفضح ذلك ويصرح به، توصيف الصراع بالإسرائيلي- الفلسطيني. هل هو كذلك، باستبعاد البعد العربي؟ هل تظل القدس، باعتبارها أحد معضلات القضية، هي آخر ما يربط العرب (والمسلمين) بالقضية الفلسطينية؟ وهل دخول بعض الأطراف على خط الموافقة على الخطة، يمكن أن يشكل بداية التخلي عن القدس (عاصمة عربية لدولة فلسطين)؟

من المؤكد أن الدبلوماسية العربية، عموما، أصاب مواقفها قدر هائل من التراجع. الانقسام العربي الحالي، وضمنه الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني، لا يمكن أن يُنتج إلا مثل هذه المواقف (مواقف رفع العتب في حدها الأقصى). وإذا أخذنا بعين الاعتبار الحسابات السياسية لكل بلد، إضافة إلى عنجهية الرئيس ترامب وعدوانيته، سيتضح لنا عجز معظم المواقف العربية عن الارتفاع إلى السقف المطلوب. ولذلك، لا غرابة في أن نجد التضامن مع القضية الفلسطينية يستعيد حيويته خارج البلدان العربية: في أوروبا تحديدا. والأغرب من ذلك كله، أن تأتي المواقف العربية دون ما أعلنت عنه الخارجية البريطانية مثلا، أو بعض المنظمات مثل الأمم المتحدة، والعفو الدولية.

هل كانت دولة الاحتلال الصهيونية تنتظر أكثر من تلك المواقف العربية؟ بالطبع، لا… مادامت السياسة، في عرفها، توضع على الأرض. فمثلما هي عادة الصهاينة، لتذهب كل البلاغات والبيانات والقرارات إلى الجحيم. غير أن الجواب عن تلك السياسة الصهيونية، بالمقابل، يقع على الأرض المحتلة، أيضا، من قِبل الفلسطينيين أنفسهم. ومن هنا، فالأفيد لهؤلاء، في ظل ميزان القوى المختل، أن يكفّ العرب أذاهم عنهم (عبر الضغط والحصار)، ماداموا الأدرى بنفسية المحتلّ، وبطرق مقاومته الناجعة.

شارك برأيك