خالد البكاري يكتب: ترجمان الأشواق الضائعة – اليوم 24

خالد البكاري يكتب: ترجمان الأشواق الضائعة

  • ملا

    حياتي مع طالبان.. تعقيد الأمور محاولة مشرف منع تدمير تماثيل بودا- الحلقة 30

  • لقاح كورونا

    فسحة الصيف.. تاريخ المرض من الشيح إلى التلقيح- الحلقة الثانية

تحدث العروي في خروجه الأخير عن آفة الترجمة، وقدم نماذج من بعض الأخطاء الترجمية التي أثرت على توطين مفاهيم معينة في المجال التداولي العربي قديما وحديثا، مرجعا ذلك في جانب منه إلى ما يمكن أن ننعته بـ»كسل» الترجمة عندنا، حين لا نقوم بـ»استئناف» ما ترسخت ترجمته من مفاهيم، فالترجمة لا ينبغي أن تكون معمارا منتهيا، بل هي تشييد مستمر..

فإذا رجعنا للحقبة العباسية سنجد أن الترجمات الخاطئة للمقولات المنطقية اليونانية (الأرسطية خاصة) ومفاهيم الشعرية (المحاكاة، التراجيديا، الكوميديا..) كانت بفعل أن الاصطدام مع تلك المفاهيم لم يستحضر أثناء النقل اختلاف الأنساق الثقافية بين مجالات تداولية متغايرة (الإسلامية العرب-فارسية، الرومانية اللاتينية، الإغريق)، فكانت النتيجة البحث عن معادل موضوعي للمفهوم المترجم في ثقافة اللغة المترجم إليها، ومن ذلك ترجمة التراجيديا بالمدح والكوميديا بالهجاء.

اعتبر العروي على غرار نظريات كثيرة في الترجمة هذه الأخيرة تأويلا..

إننا لا ننقل نصا من لغة إلى أخرى، بل نقوم بإعادة تشييد هذا النص عبر تأويلية، تتجاذب داخلها رهانات لغوية وثقافية وإيديولوجية، مما يجعل تنبيه العروي إلى ضرورة معاودة النظر فيما استقر من ترجمات تفرضه ضرورات المثاقفة وإعادة توطين المفاهيم وفق تطور الأفكار واللغة، مع العلم أن ترجمة المفاهيم ما زالت أرضا بكرا رغم كل النشاط الترجمي في هذا الباب، ف»دازين» هايدغر و»إيبيستيمي» فوكو و»هابيتوس» بورديو على سبيل المثال لم توجد لها مقابلات في العربية مقنعة.

وفي مشروع «استئناف» الترجمة هذا باعتبارها نشاطا تأويليا، سنجد مجموعة من المدارس في هذا الباب، وأعتقد أن التجربتين الألمانية والبرازيلية تفتحان أمامنا إمكانات الاستفادة من أوراشهما، فقد انطلقت الترجمة الألمانية من الهيرمينوطيقا عبر ترجمة الكتاب المقدس باعتبارها تأويلا له (اللوثرية)، فيما أبدع البرازيليون نظرية «الافتراس» في الترجمة، التي تجد أصولها في تقليد «كانيبالي»، كان يعتبر افتراس الرجل الأبيض يقود إلى تحويل المفترس لإنسان قوي، وهكذا اعتبروا الترجمة إعادة إبداع، فالمترجم كما المفترس يمر من امتصاص النص (الفهم) نحو التحويل (التأويل) وصولا لإعادة الخلق (الإبداع).

تحدث الخطيبي عن «واجب» النقد المزدوج، لذلك نحتاج إلى ترجمة تأويلية / هيرمينوطيقية في مواجهة التراث الديني، وترجمة إبداعية في مواجهة انساق الهيمنة الغربية.

أعترف ختاما أن استحضار الخطيبي في الختام يحمل غير قليل من «سوء النية» غير الخبيثة لو صح القول، ذلك أن محاضرة العروي الأخيرة تضمنت، خصوصا في الشق المتعلق بالترجمة والتأويل، انزياحات عن تاريخانية ماركسية صارمة، وانفتاحا على مشاريع ما بعد الحداثة، من خلال نافذة تطل على تأويلية هايدغرية، وإيبيستيمي فوكو، لكنه في ظني (ولعلّي مخطئ) لم يتخلص من انشداده لمركزية غربية، تلك المركزية التي جعلته ذات زمن يقول إن لا تقدم لنا إلا بمحاكاة التطور التاريخي الأوروبي الذي استمر من القرن 15 إلى القرن 19..

فالتحولات المتسارعة بفعل العولمة والتكنولوجيا، والتي قوضت الكثير من «اليقينيات» والحتميات «الوضعية» جعلت العروي مترددا في جدوى «الوفاء» لما كان يعتبره أدورا فاصلة للدولة والنخبة والأفكار الكبرى في مجرى التاريخ، لكنه لم يخرج من النسق الذي يرى التاريخ هو سيرورة الغرب بما يشبه الاتحاد والحلول الصوفيين.

بقي العروي في إطلالاته المابعد حداثية بعيدا عن مساءلة يقينياته السابقة في مختبر تفكيك انساق المركزية الأوروبية، وأنساق الهيمنة، إن عروي ما بعد «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» يُسائل عروي «العرب والفكر التاريخي» من داخل النسق ذاته.

شارك برأيك